الجصاص

23

أحكام القرآن

ظاهر الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره في الظاهر ولولا يمينه لم يستحقه ، لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند الله دون ما هو عندنا في الظاهر ، إذ كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق الظاهر دون الحقيقة ، وفي ذلك دليل على بطلان قول القائلين برد اليمين لأنه يستحق بيمينه ما كان ملكا لغيره في الظاهر . وفيه الدلالة على أن الأيمان ليست موضوعة للاستحقاق ، وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة ، وروى العوام بن حوشب قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبي أوفى يقول : أقام رجل سلعة فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم يعط بها ليوقع فيها مسلما ، فنزلت : ( إن الذين يشترون بعهد الله ) الآية . وروي عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله ، ممن ادعوا أنه ليس علينا في الأميين سبيل . قوله تعالى : ( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ) إلى قوله تعالى : ( وما هو من عند الله ) يدل على أن المعاصي ليست من عند الله ولا من فعله ، لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده ، وقد نفى الله نفيا عاما كون المعاصي من عنده ، ولو كانت من فعله لكانت من عنده من آكد الوجوه ، فكان لا يجوز إطلاق النفي بأنه ليس من عنده . فإن قيل : فقد يقال إن الإيمان من عند الله ولا يقال إنه من عنده من كل الوجوه ، كذلك الكفر والمعاصي . قيل له : لأن إطلاق النفي يوجب العموم وليس كذلك إطلاق الإثبات ، ألا ترى أنك لو قلت : " ما عند زيد طعام " كان نفيا لقليله وكثيره ، ولو قلت : " عنده طعام " ما كان عموما في كون جميع الطعام عنده ؟ . قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قيل في معنى البر ههنا وجهان أحدهما : " الجنة " وروي ذلك عن عمرو بن ميمون والسدي . وقيل فيه : البر بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر ، والنفقة ههنا اخراج ما يحبه في سبيل الله من صدقة أو غيرها . وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال : لما نزلت : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) و ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) [ البقرة : 245 ] قال أبو طلحة : يا رسول الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى ، ولو استطعت أن أسره ما أعلنته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعله في قرابتك - أو في أقربائك " . وروى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي عمر وابن حماس عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال : خطرت هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فتذكرت ما أعطاني الله ، فلم أجد شيئا أحب إلي من جاريتي أميمة ، فقلت : هي حرة لوجه الله ، فلو لا أن أعود في شئ فعلته لله لنكحتها ، فأنكحتها نافعا وهي أم ولده . حدثنا عبد الله بن